حسن الأمين
119
مستدركات أعيان الشيعة
قد ذكر أن « أسعد بن أبي يعفر » قد ذكر أنه إنما سجنه بأمر « الناصر » فلا شك عندي أن تلك العبارات لم يزبرها قلم الهمداني ، وإنها من كلام مختصر الإكليل محمد بن نشوان ( 1 ) الذي أقر أنه قد تصرف في الكتاب ، وحذف وغير وبدل لأسباب فصلتها في كتابي « جناية الأكوع على ذخائر الهمداني » وقلت « أن تشدد الحواليين في تعذيبه كما ذكر في المقالة العاشرة من » سرائر الحكمة « لا يمكن أن يقوم به الا ذو حقد شخصي نحو عدو لدود ، ولا يمكن أن يكون ذلك مجاملة لعدو قديم - وهو الناصر - الذي زعموا أنه أصبح صديقا » ! ! « وفي نفس الوقت قد يجوز أن » أمراء آل يعفر « الذين تولوا حبس الهمداني وتعذيبه قد حاولوا بعد إطلاق سراحه ، أو على الأصح فراره من سجنهم أن يقولوا له إنهم إنما عملوا ما عملوا عن أمر الناصر ، أو بإشارته دسا وكيدا ! وزعم » الحوالي « ما زعم تنصلا وتبريرا ! على أن كل ذلك من باب الافتراضات والجدل ، وإلا فقد بين الهمداني نفسه أن سجنه كان على يد السلطان اليعفري في كتابه سرائر الحكمة ، بل وسجل ذلك شعرا في قصيدته الطويلة التي سماها » الجار « وأثبتها المحقق » الأكوع « في مقدمة الجزء الأول من الإكليل وأولها : خليلي إني مخبر فتخبرا بذلة كهلان ، وحيرة حميرا ، إلى أن يقول بعد ذكر ما قاساه من ويلات وما نزل على أهله و « بنياته » من كرب وبلاء ، ومذكرا لقحطان مناضلته عنهم وعن أمجادهم : كان لم تقولوا يوم ناضلت دونكم لئن ثارت « عدنان » منك لنثارا أ « مسلم » لا تلحق « معدا » ملامة ، فاني أراهم من قبيلي أعذرا وكأنه يفند العذر السخيف الذي زعمه « اليعفري » بان « الناصر » قد طلب منه حبسه ! ويشير أيضا إلى قصيدته « الدامغة » التي تعصب فيها لقحطان وهاجم « الأمويين » و « العباسيين » بما كانوا يصنعونه بال الرسول ( ص ) ، ثم وجه اللوم والعتاب إلى السلطان بن أبي يعفر فقال : فليس بمنجيهم من الخزي موتهم إذا كان حر الشعر فيهم معمرا ويسقط ضعفي ذاك في حي حمير وسيدها المنظور فيها « ابن يعفرا أنخت به خوف العداة وغدرهم فألفيته فيهم على الأمن أغدرا ! فملكهم مني مناط قلادتي وأسلمني فيهم باذني ، فيعذرا ! ولكنه أغضى على الذل عينه وفرط في حق الجوار ، وقصرا ! وأصلح بي ما كان من قبل بينه وبين « قريش » الأكرمين تغيرا ! وقد ذل من جارى بذمة جاره وأسلمه فيما يخاف ، فاخفرا ! وهو يعني بقريش هنا « العباسيين » وأتباعهم في اليمن وقد كان لهم « اليعفريون » عمالا على صنعاء قبل أن ينقلب عليهم السلطان أسعد ويتحالف مع علي بن الفضل كما هو مذكور في كتب التاريخ . وقصيدة الجار حوالي مائة بيت وهي من الشعر القصصي البديع ولكنهم كما نشرها الأكوع - مفعمة بالأخطاء ، وتحريفات النساخ ولم يبذل المحقق أي جهد في تصحيحها . أهم أسباب حبس الهمداني ويحق لأي منا أن يتساءل : لما ذا ترى ذلك السخط الوحشي الذي استبد بقلوب أمراء « آل يعفر » على « لسان اليمن » الهمداني ؟ وما ذا كان بين السلطان أسعد وبين أبي محمد من تراث ؟ وما هي الدوافع التي جعلته يعامله بذلك التنكيل الشديد ، والقسوة التي لا ترحم ولا تلين ؟ صحيح أن الظلمة في الغالب لا يسألون في الدنيا عما يقترفون ، أو على الأصح عن أسباب ودوافع ما يجترحون ، قد عودنا أسعد بن أبي يعفر وآباؤه وأولاده على إتيان ما لا يرضى به ضمير إنساني ، أو خلق ديني ، أو وزع عقلي ، ومواقفهم في الغدر والفتك مع « التراخم » و « الدعام » بل ومع أهلهم وذويهم لم يرو أبشع منها في تاريخ الظلمة من حكام اليمن عبر العصور . ولكنا لم نسمع أن أبا محمد الهمداني قد زاحمهم على جاه أو سلطان فقد كان عالما مؤرخا يشتغل بالتجارة ونقل قوافل الحجاج والمسافرين بين مدن « اليمن » ، وبينها وبين « مكة » المكرمة ، ! وإذا فلا بد من افتراض سبب جوهري دخيل متوارث تغذي حزازته ضروع « النكث » و « المروق » على مر العصور . ويخيل إلي ، وأظن - وقد يبلغ هذا الظن درجة اليقين - ، أن التحاق الهمداني بصعدة ، واعتناقه للمذهب الزيدي ، ومناصرته للهادي والناصر ، قد أوغر عليه قلوب بني يعفر « الحواليين » جميعا ، ويكفينا أن نلقي نظرة واحدة فاحصة على قصيدة الهمداني « الدامغة » والتي نافح فيها عن « قحطان » وسجل فضائلها ، ومفاخرها ، وهتك بها حرمات القبائل « العدنانية » ، والتي سببت له العداوات وأثارت ضده بعض علماء وشعراء « صعدة » ، وأوجدت سوء التفاهم بينه وبين « الامام الناصر » لما أسلفنا ذكره من أسباب وسوف نستشف سر ذلك السبب الأصيل ! . نعم : نظرة إلى ما ورد في « الدامغة » من تشيع وولاء لأمير المؤمنين « علي » بن أبي طالب ( ع ) ، وتفنيده لما عمله « الأمويون » و « العباسيون » بأولاده وبنيه ، ووصفه لعلي بالوصي ، ونبزه لمن حاربوه وناصبوه العداء « بالناكثين » و « المارقين » و « الخوارج » ، ( 2 ) لأن ذلك أو بعضه يكفي لايغار قلوب « آل يعفر » عليه ، إذ أنهم كانوا مع « الأمويين بني زياد » و « العباسيين » وكان على صاحبنا الهمداني أن يقدر ذلك قبل أن يهاجر من « صعدة » إلى « صنعاء » ويترك قاعدة « الناصر » العلوي ، إلى حمى « جوار » السلطان « الحوالي » ، وإن كان قد أشار إلى ذلك في قصيدته « الجار » إذ قال : وأصلح بي ما كان من قبل بينه وبين قريش الأكرمين تغيرا ولكنه لم يفطن لذلك إلا بعد المأساة ، وسبق السيف للعذل . يقول الهمداني في قصيدته الدامغة : وكان « المصطفى » بأبي وأمي بأفخر مفخر للآدمينا ، ولم يك في « معد » له نظير ولا « قحطان » ، غير مجمجمينا وآويناه إذ أخرجتموه وكنا فيه منكم ثائرينا ،
--> ( 1 ) إذا كان الشك عند الكاتب قد زال ، فهو لم يستطع أن يزيله عند غيره ، والأمر - كما قدمنا - لم يبلغ حد اليقين ، بل لا يزال الشك شكا ( ح ) . ( 2 ) هذا يدل على تشيع بعيد الغور ، أبعد مما يرى الكاتب ( ح ) .